———————————————
نيوزويك العربية
فرزات : المستبدون العرب جعلوني مبدعا 
ريشته رصاص. ترسم دكتاتورا ـ أي دكتاتور ــ فيتحسس المستبدون العرب مسدساتهم. ترسم جنرالا منتفخا منفوشا كالطاووس فيهدده صدام حسين، ويصادر العقيد الليبي معمر القذافي المجلة التي تحمل الكاريكاتير، ويمنعه رئيس الوزراء السوري (الأسبق) من الرسم في الصحف السورية، وتقيم عليه وزارة الدفاع في سورية دعوى قضائية.
ترسم إنسانا تعيسا ممزق الملابس، نحيلا، أشعث الشعر، مقهورا، فيتنهد المواطن العربي ويشير إلنفسه: هوذا أنا.
استخفه «ربيع دمشق» (مجموعة من المعارضين السوريين طالبوا بإصلاحات سياسية وديموقراطية)، فأصدر عام 2001 أول جريدة أسبوعية سياسية مستقلة ساخرة، سمّاها «الدومري» (نسبة إلى شخصية سورية فولكلورية كانت تقوم بإشعال مصابيح الشوارع الغازية قبل ظهور الكهرباء) أقضّت مضاجع النظام السوري، وفضحت الفساد في حزب البعث ومؤسسات سورية أخرى، وطالبت بإصلاحات سياسية واقتصادية عاجلة. حاولوا ترويضه بالجزرة فلم تفلح، فأخرجوا له العصا وسحبوا ترخيص الجريدة التي صدرت بدعم ومباركة من الرئيس السوري، وأوقفوها عن الصدور، ومنذ عام 2003 وهو يدور في ساحات القضاء كي يعيد الحياة إلى «الدومري».
شخصياته التي يرسمها صامتة ومن دون تعليق في كاريكاتيره اليومي في جريدة «الوطن»، ستتحرك في أفلام كرتونية ضمن مشروع تنفذه هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) في خمس دول عربية. وفي أمسية فنية التقت نيوزويك العربية و«الوطن» رسام الكاريكاتير علي فرزات في حوار بالعاصمة السورية دمشق.
سألته: هل هناك أمل في عودة «الدومري» بحكم قضائي؟
- علي فرزات: أسعى إلى إعادتها للصدور مجددا، لكن القضاء الأعلى رد الدعوى ورفضها، وسأعيد رفعها مرة أخرى. كان حزب البعث السوري يمنع إصدار الصحف الخاصة منذ عام 1963، وعندما أصبح بشار الأسد رئيسا لسورية، أصدرت «الدومري» طبقا لقانون تراخيص الصحف الخاصة الذي صدر عام 2001.
كانت الصحيفة تتناول كل الأمور السياسية والاجتماعية والاقتصادية بنبرة ساخرة. تحملوها عامين ونصف العام على مضض، وراحوا يحاربونني على شتى الأصعدة، إعلاميا وشعبيا واقتصاديا. خصصوا برامج في التلفزيون الرسمي لمهاجمتي، ثم انتهت بشكل مأساوي، فقد جمعوا العدد الأخير من «الدومري» من الأسواق بعد أن صادروه، وأغلقوا الصحيفة، وسحبوا الترخيص.
صداقة ولكن
الرئيس السوري بشار الأسد كان يزورك في بيتك قبل أن يصبح رئيسا، وهو الذي سمح لرسوماتك الممنوعة بالنشر عام 1999، فلماذا هذا الانقلاب؟
- تعرفت إلى الرئيس بشار الأسد قبل أن يتولى الرئاسة. كان يحضر معارضي ونشأت بيننا صداقة من خلال المعارض الفنية. لكن يبدو أن هناك من اعتبر أن «الدومري» تجاوزت الخطوط الحمراء فيما يخص كشف الفساد، وسمعة بعض المؤسسات والأشخاص. كنا نتطرق إلى قضايا رئيسية فيما يخص الإصلاح ومعوقاته، وأرسلنا رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية نطالبه بالسير في طريق الإصلاحات، فاعتبروا أن ذلك خروج عن السيطرة. لقد اعتادوا في العمل الصحافي في الصحف السورية الرسمية الثلاث «البعث» و«تشرين» و«الثورة»، أن يحمل مسؤول الجريدة خيزرانة ويضرب من يتجاوز حدوده من الصحافيين على يده، أو يعلقه في «الفلقة»، فأرادوا بهذا أن يعيدوني إلى الحظيرة الرسمية، إما بالإغراء بشتى الوسائل، وإما بالترهيب، وأخيرا أغلقوا الصحيفة.
الناس في سورية يتذكرون أن «الدومري» فضلت الصدق حتى ولو تم إغلاقها، على أن تظل تعمل وتكذب على الناس. أقمت دعوى قضائية على رئيس الحكومة ووزير الإعلام في مجلس القضاء الأعلى، لتسجيل موقف. العدد الأخير من «الدومري»، نتيجة للضغوط التي مورست عليّ، ولأنني هرّبته من الرقابة التي فرضت عليّ من خلال إجباري على توزيع الجريدة عبر مؤسسة حكومية، كان حاشدا بالدعوات الإصلاحية والسخرية وتقارير كشف الفساد في حزب البعث، والتأكيد للرئيس على أن الإصلاح لا يمكن أن يتم على أيدي مجموعة من الفاسدين، وحرية الإعلام والاعتقالات الإلكترونية وإغلاق المواقع، والقوانين العرفية، ومشكلة انهيار سد زيزون. كان عددا انتحاريا. كنت أعلم أنهم لابد أن يغلقوا الجريدة، لأنهم لم يعتادوا على مثل هذا الكم من النقد، وبشكل محدد بالأسماء والهيئات. هناك بعثيون يعتبرون أن سورية «دكان» لهم، ويتصرفون على أساس أنهم مواطنون من الدرجة الأولى. سورية أصبحت «دكانا» لمجموعة من المحتكرين.
شيخوخة سياسية
ما مدى قوة حزب البعث في سورية الآن؟
- حزب البعث مثل رجل كبير جدا في السن، شاخ وتجاوزه الزمان. تصور أن كل الشعارات والمنطلقات التي رفعها حزب البعث لم يتحقق منها شيء على الإطلاق. يجب أن تكون هناك وقفة مع الذات، ويعلموا أن هناك أحزابا وطنية أخرى يحق لها أن تتداول السلطة. لست حزبيا ولا أنتمي إلى الأحزاب، ولكن يجب أن تشارك كل الأحزاب في صناعة واتخاذ القرار.
مظاهرات معلبة
هناك مظاهرات شعبية خرجت تهتف ضدك في سورية بسبب موقفك الذي بدا مؤيدا للغزو الامريكي للعراق؟
- المظاهرة أعدها حزب البعث ضدي، ولم تكن شعبية. قلت قبل الغزو الامريكي للعراق عام 2003، إن الاحتلال الحقيقي يأتي من زعمائنا الدكتاتوريين ومن الظلم الواقع بالوطن العربي في الداخل، وليس من الخارج. أفقدنا هؤلاء المستبدون المناعة ضد الاحتلال الخارجي، وبالتالي قلت لهم: أصلحوا أنظمتكم واسمحوا بتداول سلمي للسلطة سيدافع الناس عنكم وعن بلادهم.
صدام حسين أرسل من يخرّب معرضي في معهد العالم العربي في باريس عام 1989، لأنني رسمت عدة كاريكاتيرات تنتقد دكتاتوريته، وكانوا هنا في سورية مسرورين من هذه الانتقادات لأنهم كانوا على خلاف مع العراق. عام 2003 عندما نشرت رسومات كاريكاتيرية في الصحف السورية وفي جريدة «الوطن» تنتقد صدام حسين، أخرجوا مظاهرات ضدي، ونشروا في صحفهم الرسمية أن علي فرزات باع نفسه بالدولار والدينار، ويرسم ضد الشعب العراقي ــ ولم يقولوا ضد صدام ــ كي يثيروا المشاعر الوطنية ضدي. كانوا يهتفون: «يسقط علي فرزات ويسقط بوش»، إمعانا في السخرية. قلت لهم: «أنا متمكن من موقفي ولا أخاف على نفسي، لكنني أخاف على بوش!!».
هناك تهم جاهزة معلبة كطبيعة كل الأنظمة الاستبدادية، ولولا ثقة الناس بي لخرجت الأمور عن السيطرة.
ممنوع من الرسم
ماذا عن علاقتك الآن بالنظام في سورية؟
- أنا ممنوع من الرسم في الصحافة المحلية، علما بأنني كنت أتبرع براتبي الذي أحصل عليه من جريدة «تشرين» إلى الموهوبين من الرسامين الشباب، كنت أعمل فقط للتواصل مع الناس في سورية، لكن وزير الإعلام السوري السابق عدنان عمران كان دكتاتورا إعلاميا، كان لا يفعل أي شيء إلا قبل تمريره عبر الاستخبارات. أغلب الوزراء كذلك. ومعظمهم معينون من قبل جهات مختلفة، بعض رجال الأعمال يشاركون في تعيين وتسمية وزراء بعينهم الآن في سورية. عدنان عمران أصدر قرارا بمنعي من العمل في الصحف المحلية، لأنني أمتلك صحيفة.
أوقفوا «الدومري» لكن قرار المنع من العمل ظل ساريا. والحقيقة أنني لم أهتم، لأن العمل في الصحف المحلية يمر عبر «فلاتر» ورقابة صارمة. رغم ذلك أرسلت إلى مدير عام إحدى الصحف مجموعة رسومات، وطلبت منه أن ينشرها دون أي مقابل مادي، فرد الرجل بأنه «مش ناقص» مشاكل، فقلت له: «لن أرسم أقل من هذا أو حسب طلباتكم أنتم».
أرسم الممارسات
هل أنت مهدّد بالاعتقال في أي لحظة؟
- تم استجوابي من قبل الأمن السياسي، وأقيمت عليّ دعوة قضائية من قبل وزير الدفاع السوري بسبب إحدى رسوماتي. والطريف أنه كان الكاريكاتير نفسه الذي تسبب في أزمة مع صدام حسين عام 1989، والمشكلة نفسها وقعت فيها مع الرئيس الليبي معمر القذافي عندما رسمت كاريكاتيرا في مجلة «الأهرام العربي» المصرية، واخبرني رئيس تحريرها آنذاك أن القذافي منع المجلة من دخول ليبيا بسبب رسوماتي. أرسم من دون تعليق ما يمس الثوابت والقضايا الإنسانية، عندما أرسم الدكتاتور فإن 100 دكتاتور يتصورون أنني أنتقدهم وأسخر منهم. كذلك فإن الفاسدين يتحسسون رؤوسهم عندما أرسم كاريكاتيرا عن الفساد. الكثير من المؤسسات الحكومية السورية كانت تشتكي من رسوماتي، مع أنني أرسم «الممارسات» ولا أذكر اسما أو صفة. يوميا كان يتصل بي عدة مسؤولين في الدولة ليعاتبوني على استهدافهم، مع أنني لم أكن أقصدهم بأشخاصهم.
رسمت مسؤولا يخطب في مؤتمر للفقراء عن الرخاء، وبيده خطاب طويل مرسوم عليه لحوم وفاكهة وبطاطا، فيما يلتهم المواطن ورقة الخطاب. فوجئت برئيس الو
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ