الحديقة


دراسة هامة للفليلسوف الفنان نجيب الحصادي

يونيو 29th, 2007 كتبها GRINGO نشر في , أجندة الحصادي

 

مقصد المؤلف*

 د. نجيب الحصادي

التأويل عند اميليو بيتي إعادة تمثل خبرات المؤلف الشعورية تعين على فهم نصه. التعبير عند بنديتو كروتشه عاطفي دوما؛ فحتى الفكرة المنطقية أو العلمية "تغدو شعورا وتخيلا، وهذا ما يجعل العمل الفلــسفي أو التاريخي أو العلمي ليس صادقا فحسب بل جميلا، ويتوجب أن يحكـم عليه ليس فقط منطقيا بل استاطيقيا." التحليل عند امبيرتو إيكو "أن تقول ما لم يقله المؤلف، وما كان له أن يقول سواه، لو كان طلب منه أن يقول". أما وظيفة الناقد عند عبد الله الغذامي فتتعين في لي أعناق النصوص، حتى يقوّل الناقد المؤلف ما لم يقله في نصه.
تشكل مسألة مقصد المؤلف موضع اهتمام الفلسفة والنقد الأدبي على حد السواء. هكذا يزعم البعض أن مقصد المؤلف مناط كل تأويل، وأنه لا سبيل لفهم أي مؤلف إلا بتحديد مقصد مؤلفه منه؛ فيما يزعم بعض آخر أن مقاصد الكتّاب لا تحدث فرقا في تحديد دلالات النصوص، وأنه أجدر بنا حين نروم فهم أي نص أن نصادر على موت مؤلفه.
ولكن ما الذي يجعل فهم النصوص رهنا بمقاصد مؤلفيها؟ ومتى يتوجب أن يقتصر التأويل النقدي على مقاصد نصوصهم؟ أترى مقاصد المؤلفين شيئا ـ  كقافية ت. س. إليوت ـ ما أن انتبهنا إليه حتى تسلل منا خفية، وما أن غفلنا عنه حتى خرج علينا متوعدا؟ وهل صحيح أن المؤلف قد لا يدري على وجه الضبط كنه مقصده، وأنه قد يفيد من تخمين المؤول إياه؟ وأخيرا، إذا كانت غاية النص أن يفهمه متلقوه، فهل تختلف استحقاقات الفهم وقفا على جنس النص أم تراها ترتهن بأسلوب الكاتب في عرض رؤاه؟ هذه بعض الأسئلة التي تثيرها إشكالية مقصد المؤلف، وتشكل موضع اهتمام هذه الدراسة.
غموض النص
اللغات البشرية غاية في التركيب، والنصوص التي تكتب بها حمالة أوجه. الكلمات كالعدسات، إن لم توضح الرؤية، غبشتها. لو كان لكل لفظة معنى واحد، لكان الاتصال الفعال عملية أكثر يسرا؛ غير أن معظم الألفاظ تحوز أكثر من معنى، وحتى إذا كانت الألفاظ متباينة، قد تركب على نحو يورث اللبس والخلط.  تتمزى اللغات البشرية إذن بخصيصة الغموض الذي يرتهن باللغة المستخدمة، فما يغمض في لغة قد يكون واضحا لا لبس فيه في أخرى، وإن ترجح أن يستثار الغموض في حال الترجمة. الموجه النمطي لمعاني الجمل المبهمة يتعين غالبا في السياقات اللغوية وسياقات الموقف (ما يعرف بمقتضى الحال)، وإن كنا لا نعدم حالات يعجز فيها هذان الضربان من السياقات عن إنجاز مهمة الإفصاح. ثمة بديلان تقليديان لحل الإشكاليات التي يثيرها هذا العجز؛ التأويل، الذي يفترض أن يكشف النقاب عن مقاصد المؤلف ومقاصد مؤلفه، واستـحداث لغـات رمزية ألفاظها متباينة وقواعد تراكيبها تحول دون تعدد المعاني. غير أن هذا البديل الأخير كان واجه صعوبات كأداء، فاللغة من خلق الشعر، وليست من خلق المنطق، وإلا لكانت لدينا لغة واحدة (هبل)، واللغة "مرنة وطيعة أساسا بسبب غموضها، ولو قدر للمنطقي أن يصطنع لغة بوضوح وشفافية الزجاج لفعل؛ ولكن ما جدوى فأس من زجاج يتهشم اللحظة التي يستعمل فيها؟" (وايزمان).
ومهما يكن من أمر، فإن الغموض ليس بذاته نقيصة، فعادة ما تتسم الأفكار الخلاقة بالهلامية وعوز التحدد، رغم أنها قد تكون ثرية إلى حد يسهم في فتح آفاق جديدة للبحث والتقصي. كون الأسئلة التي نتناولها ليست على قدر كاف من الوضوح ليس بالخطورة التي يتوهمها البعض، فلا شيء كالتفكير الواضح يحجبنا عن اكتشاف الجديد. الحال أن الأسئلة الغامضة أول خطوة تسكعية في درب اقتناص الرؤى الحاسمة في تاريخ الفكر البشري. أكثر من ذلك، قد يكون بمقدور المبدع أن يفتح بابا سريا دون أن يفهم أن هذا الباب يحجب وراءه عالما خفيا بأسره. هكذا قد يكون مآل خبط عشواء الغموض أن يبلغنا مناطق بكرا ما كان للوضوح إلا أن ينأى بنا عنها. في المقابل، لا أوضح في نفس الدوجماطيقي من الأحكام التي يجزم بمصداقيتها، وقد يكون وضوحها علة استكانته إليها وإحجامه عن تقبل ما عداها.
وبطبيعة الحال، فإن حكمنا بأنه لا تثريب على الغموض في بعض السياقات إنما يحض ضد التعجل في رفض رؤى الآخرين لمجرد أنها لا تتسم بقدر كاف من الوضوح، ولا يعني بحال وجوب أن يعمد المرء إلى طلسمة تعابيره، ولا يلتمس العذر لمن يصفهم جوركي بأنهم يعكرون ضحل أمواههم كي تبدو عميقة.
محاباة اللغة
ليست اللغة بالحياد الذي يتوهمه الكثيرون، فهي مشحونة بافتراضات قد لا يعيها مستخدمها، وقد ترغمه على المصادرة على مزاعم ينكرها، ما يعني أن هناك سياقات يكون فيها تبليغ مقصد المؤلف مستحيلا لأسباب تقع خارج نطاق سيطرته. هكذا تملي اللغة بتراكيبها ودلالاتها رؤية بعينها في العالم، وتخلق عادات للتفكير يستحيل الخلاص منها. وعلى حد تعبير نيتشه، ثمة ميثولوجيا فلسفية مخبأة في كل لغة، فنحن نقارب العالم عبر منشور اللغة، بحيث نغوى بالتفكير في الأشياء على أنها أبسط مما هي عليه. هكذا قد يتعمد المؤلف اصطفاء ألفاظ وتراكيب على علمه أنها لا تبلغ وكده، لا لأنه يتوخى تضليل متلقيه، ولا لغموض مقاصده في ذهنه، ولا لعجز في مفرداته، بل لأسباب تعود إلى طبيعة اللغة البشرية نفسها. وكما يقول هنري برجسون، في اللغة تفاريج وفجوات قد تحول دون تعبيرها عن مرصوص الأشجان.
اللاأدري أكثر الكائنات مواجهة لمحاباة اللغة. التعبيرات تخونه لا لأنه لا يجيد التعبير عن نفسه، بل لأن اللغة ترغمه على قول ما لا يريد، ولذا فإنك تراه يعمل جاهدا كي يعبر عن نفسه بلغة لا تلائم مقاصده. الحال أن التبرم من خيانة اللغة في تأدية أمانة التعبير ليس مجرد إفصاح عن تذمر أدبي، فالتعبير عن حقائق جديدة بلغة قديمة مستحيل أصلا. على هذا المستوى، تتآمر اللغة على اللاأدري بتعتيم رؤاه عوضا عن تبيانها، وهكذا تهزمه بيادق الكلام التي أراد أن يحقق بها الظفر على ملوك الغنوصية وحاشيتها.
على ذلك، فإن من يقول بموت المؤلف ـ كمن يحاول بعث الروح فيه ـ لا يجهل كون اللغة تتضمن تعبيرات قد يلتبس على القارئ فهمها، ولا يجزم بأن الأديب قادر دوما على أن يعبر عما يجيش في خلده من مشاعر وعواطف، ولا ينكر أن الترجمة خيانة، ولا يتغاضى عن كون اللغة تخبئ في ظلال دلالاتها ولبس تراكيبها رؤية بعينها في العالم؛ الأمر أكثر تركيبا من كل هذا، رغم أنه يرتهن به بطريقة أو أخرى.
بدهيات التقصي
ثمة حقائق يمكن توظيفها في تقويم ما نقف عليه من تصورات لمقاصد المؤلفات والمؤلفين، ولعلها تعين على تأسيس رؤية مبدئية في الدور الذي يتوجب أن تقوم به هذه المقاصد في تحديد معاني النصوص.
مفاد أول تلك الحقائق أن تعدد دلالات النص لا يعني بحال أن النص قابل لأية دلالة، وهذا أمر كان نبهنا إليه امبيرتو إيكو. قد تشي قابلية النص لعدد كبير من التأويلات بثرائه، أو غموض تراكيبه، أو باعتماده الرمز أو الأسطورة وسيلة في تبليغ الأحكام، لكنه لا يلزم بحال أنه بمقدور القارئ أن يجد فيه ما عنّ له أن يجد. الحال أن عملية سوء الفهم إنما تنبئ بوجود فهم صحيح، أو فهم أكثر صحة من غيره، وحقيقة أننا نعتذر أحيانا للآخرين عن إساءة فهمنا مقاصدهم إنما تبين أن لديهم مقاصد بعينها أخطأنا السبيل إليها. بيد أن هذه الحقيقة لا تلزمنا إلا بافتراض وجود كينونتين متمايزتين، عنيت مقصد المؤلف ومقصد النص، ولا تلزمنا ضرورة بوجوب العناية بكلتيهما.
مؤدى الحقيقة الثانية أن جنس النص وأساليبه في عرض رؤاه قد تحدث فرقا في طبيعة تأويله، فطريقتنا في فهم النص القانوني قد تختلف عن طريقتنا في فهم النص التاريخي، أو الأدبي، أو الفلسفي، أو الديني، كما أن طريقتنا في تلقي النص الإبداعي قد تختلف عن طريقتنا في تلقي النص التحريضي (كما سوف أبين بعد قليل). مكمن أهمية التصنيفات الطوبولوجية التي عني بها مفكرون من أمثال اميليو بيتي إنما يتعين في أن جنس النص قد يسهم في تحديد أهمية دور مقاصد المؤلف، وقد يحدث فرقا في طبيعة هذا الدور. آية ذلك أن قابلية النص الديني لأكثر من تأويل قد تكون رمز ثرائه وقدرته على التكيف مع متغيرات الزمن، في حين أن قابلية النص القانوني لتأويلات متعددة قد تكون نقيصة تحسب ضد واضعه، وقد تضطرنا إلى الخوض في مسألة روح النص، أي مسألة إرادة المشرع التي أخفق في تجسيدها في نصه.
تقر الحقيقة الثالثة أن المرء يتحرى في الكتابة ما لا يتحرى في الكلام. حين نتحدث شفاهة، لا نبدي عناية تلحظ بالصياغة الأدبية، أو بالدقة في التعبير، أقلّه أننا لا نبديها على النحو الذي نفعل إبان الك

المزيد