فاطمة عثمان الهوني
امراءةٌ من زمنِ القهر تصدحُ في وجهِ المشانق : ( خرابين !! (
أجرى اللقاء ، وأعد هذه المادة :
عبد الوهاب قرينقو
خرابين يا وطن ما فيك والي
وذيلك جوالي ، والبعض في المشنقة والقتالِ
- خرابين . . . . ، صرخةٌ بحجمِ الفاجعة نزفها قلبُ الأُم الشابة فاطمة عثمان في عصر يوم 15 نوفمبر 1928 م . . ذلك اليوم المشهود الذي نفثَ فيه الفاشستيون الطليان جُرعة أُخرى من سُم قمعِهِم وتعسفهم ضد مواطني بلدةِ هون ، بإعدام تسعة عشر رجلاً من خيرة أهل المدينة ، كردةِ فعلٍ همجيةٍ على المشاركة الفاعِلة للأهالي في معركة قارة عافية 30 . 10 . 1928 ف ، وغيرها من المعارك .
- خرابين . . . ، مهما اختلفنا أو اتفقنا مع اللغة الأُم ! ، فإن خرابين كما أغدقتها نزفاً فاطمة عثمان عِندَ معايشتها الحية لذاك الحدث الجلل ، لا يُمكِنُ بحالٍ من الأحوالِ أن تعني مُثنى مُفردة خراب ، وإن كان رسم الكلمة يشي بذلك ، فالخرابُ آنذاك مُتشظٍ في كُلِّ البلاد الليبية زمن الغزو الفاشي الإيطالي البغيض . . . خرابين هي جمعٌ ( حاشِدٌ ) مِن الوجع بصيغةِ المُثنى ! ، حيثُ يتشظى الخرابُ إلى عشرات .. مِئات .. آلاف الصرخات التي تؤجِجُ لِتؤرِخَ للألمِ والمواجِع ، بِفقدِ الأهلِ والمالِ والعِزةِ والكرامةِ والأمان .
- . . . قالت فاطمة عثمان قصيدتها الشهيرة / ( اليتيمة ) ، ولم تقُل سِواها ، فاكتفت بِها نصاً واحِداً بِحجمِ ديوانٍ بل سَفْرٍ عظيمٍ يحكي عن ذاك الزمن القاسي من عُمرِ ليبيا . . . لازالت فاطمة عثمان على ( قيد الإنجاز ) تعيشُ عُمراً أطول من عمر السفاحين القتلة مرتكبو تلك الجريمة النكراء . . . دخلت شاعِرتُنا المُناضلة نادي المائة منذُ ثلاثِ سنوات ، فقد أبصرت النور في هون سنة 1901ف.
- ولتغطيةِ المزيد من جوانِبَ حياة هذه الشاعِرة المُجاهِدة قُمنا بزيارتها - وكما يقول الأُستاذ محمود البوسيفي عندما هاتفتهُ فاقترح إجراء حوار معها : إن حِكاية فاطمة عثمان وقصيدتها ، لا تُستهلك . . لا تُستنزف ، مهما كتبنا عنها فهي أكثر من رمز وأكثر من دلالةٍ ومعنى .
- كانت زيارتنا الأولى منذ عشر سنوات حينما كتبتُ التعليق على شريطٍ مرئيٍ وثائقي ، يُخرِجُهُ ويصوره الزميل مصطفى عبد اللطيف ، عن مدينة هون قديماً وحديثاً ، وكانت الشاعِرة من مفردات ذلك الشريط الذي عنونتُهُ بـِ نقوش .
- وُلِدت شاعرتنا المُناضِلة لِوالدٍ يُدعى محمد أمحمد عثمان الهوني ، ولأُِمٍ تُدعى فاطمة محمد عبد الله حسن ، كان والدها يمتهن الزراعة، ولها أُختين وأخوين ، وجاءت الثالثة في الترتيب العمري.
- كُبرت في كنفِ والديها ، وتعلمت فك الخط على أيدي معلمة متطوعة ، اشتهرت بتدريسها لفتيات البلدة ، تُدعى عائشة مُصطفى الحاج أحمد.
- تزوجت مرتين ، الأولى كانت قبل سنوات من معركة عافية ، ورُزِقت من زوجها الأول بولدٍ سميَّاهُ ثامر وكان ذلك الولد في حُضنِها يوم أن قالت قصيدتها اليتيمة ، ثُم أن الولد ماتَ وعمرهُ ثلاثة و عشرونَ عاماً أثر حادثةٍ بِطرابلس ، . . . أما زواجها الثاني فكان بعد الرجوع من الجلوة، ورُزِقت من زوجها الثاني بابنتها الوحيدة عائِشة ، والتي تعيشُ اليوم معها ومع أحفادها في بيتهم الشعبي الأنيق في قلب مدينة هون الحديثة. .. زُرنا ذاك البيت الكريم واستقبلتنا الحاجة عائِشة خير استقبال ، وأدخلتنا لِمُقابلة والدتها ، التي ما كِدنا نُصافحها ونتحدث مع ابنتها عن قصيدة خرابين حتى انهطلت بِالشِعر تُردِدُ أبيات تلك الصرخة بذاتِ الحُزن والألم والمرارة ، وكأنهُ لم يمضِ على الواقعة وولادة القصيدة ستةٌ وسبعونَ عاماً . . تقولُ لنا ابنتها عائشة : عُمر أمي اليوم تجاوزَ المِائة ، مع ذلك لازالت تتذكر جيداً تلك القصيدة.. وتقولها وترددها بِطلاقةٍ عجيبة .
- . . . . بعد مُضي ستة عشر يوماً على اندِحار الإيطاليين في جبلِ عافية ، كانت ردة الفعل الإرهابية الأولى لِلغُزاة ، انتقاماً لهزيمتهم النكراء، فقبضوا على تسعة عشرة مُجاهِداً من خيرة أبناء هون ، ليتم شنقهم جميعاً في ساعةٍ واحِدةٍ من مساء 15 نوفمبر 1928 ف - - انتقاماً منهُم ومن ذويهم الذين قاتلوا مع أخوتهم من أبناء قبائل الوسط في عافية . . . وقد تفنن الطليان في اختيارِ قائِمةِ الموت لِتشمل جميع الفِئات العُمرية من 18 إلى 73 سنة ، ولِتضم شيوخ الأرباع أو المحلات - حيث كانت البلدة القديمة آنذاك تنقسِم إلى أربعة أقسام مُترابطة ، يُسمى كل قسم منها بـِ الرُبع ، إضافة إلى ضاحيةِ القصير الزراعية في الطرف الجنوبي من البلدة ، كما حرص المحتلون أن تضم القائِمة حفظة القرآن الكريم ، كذلك التُجَّار كِبار السن الذين كانوا يدعمون المُجاهدين بِالمؤنِ والمالِ والملبس والعتاد . . إضافة لأثنين تم إعدامهم لاحِقاً رمياً با
المزيد