الحديقة


سالم العوكلي :

مايو 18th, 2008 كتبها GRINGO نشر في , أقواس العوكلي, باب عمر الككلي

 121108

خفقان أجنحة في القفص

قراءة في سجنيات عمر الككلي

نصوص سردية تستعير كثافة نثرها من خبرة القصة القصيرة التي تعامل معها الككلي بحرفية عالية ودقة في بناء عوالمها ، تملك من ملامح القصة الكثير ، لكن هروبه من تجنيسها ، ربما يعكس حالة هروب في اللاوعي من فكرة القالب التي أقصى ما يمثلها السجن ، وهي بمعنى آخر مجموعة قصص مطلوق سراحها ، تكشف عن وقائع ومكنونات بشكل حسي ملموس ، واستكناه حصيف لأحداث تحفر بهدوئها المدبب في طبقات المحنة الإنسانية وعمق أسئلتها الوجودية، وتطرح أسئلة قاسية حول مصير هذا الكائن على أرض واسعة يهيأ فيها الكثير من زوايا الاختناق .

وبغض النظر عن كل مداورة يائسة حول التجنيس سنتفق مبدئياً على أنها نص سردي يجسد التواجه بين اللغة ومحمولها أحد تقنياته المحفزة ، إذا ما اعتبرنا أن مستويات السرد التقليدية ، وبشكل مفارق ، كانت مفروضة على لحمة هذا السرد ، فآلة القمع هي التي اختارت مكان وزمان وشخوص هذا العمل ؛ المكان سجن تصطدم النظرات بجدرانه مراراً ، والزمان عقد من السنين يمتد في هذا الحيز الضيق ، والشخوص لم تجلبهم إلى العمل حبكة درامية اقترحها السارد ، لكنهم شخوص جمعتهم إرادة سرد أقوى داخل مكان “مثقل ببشاعة الواقع” بكل مشاربهم وباختلاف قدراتهم على توجيه الحدث ، أو على انتحال أساليب المقاومة داخل هذا العالم المسرود بقسوة ،والذي ألف العبث ـ كاستعارة كلية ـ  بين تقنياته ومستويات سرده .

**** **** **** ****

ليس هذا العمل مجموعة قصص ، ولا رواية ، ولا سيرة ، لكنه كل ذلك .. إنه حبكة القهر التي يغوص فيها الككلي بكل مؤونته الأدبية ، ليلتقط من رعيفها الملحمي مواقع الكثافة ؛ كثافة الروح أو كثافة الدلالة أو كثافة السخرية ، ولأن الحبكة كانت شديدة القسوة ، يبدو انه كان لابد للسارد أن يبتعد عنها فترة زمنية كافية ، كي يتسنى له الإصغاء من جديد لأنينها ، ومن ثم التلصص “الجمالي” على أكثر الوقائع بشاعة ومرحاً في الوقت نفسه !!

البشاعة والمرح ثنائية صادمة تقترحها رومانتيكية ساذجة تعمل في غير وقتها ، وحتى لا أتورط في لعبة اختيار أسهل المداخل لمثل هذا التناول عبر صراع الثنائيات الذي يستهوي الكتابات المتحذلقة ، سأحاول أن أنقل هذا اللعب إلى حقل التضاد بين البشاعة والمرح ، تضاد شبه مستحيل لا يمكن أن يمسك بتلابيبه سوى سجين وجد نفسه فجأة في قلب العبث في مكان لا يعرف لماذا ولج إليه ولا يعرف متى سيخرج منه .

وحتى لا يقف التضاد عند مفهومه المثنوي المتعسف ، سأحاول أن ألمس تلك المناطق المتدرجة الظلال داخل تداعياته اللاحقة ؛ المتعدد الأضواء بين العتمة المطلقة والضوء الصارخ .. المتعددة الاستعارات بين الألم والتهكم .. المتعددة أشكال العذاب بين السجان والسجين .. المتعددة الطيف بين اليأس والممكن ، بين القنوط والأمل ، بين الحضور والغياب … تضاد يتوتر في تلك المسافة المقترحة بين “الحذاء والعشب الطالع من شقوق البلاط” كمسافة لتنهد الحياة تشبه تلك المسافة الملتبسة بين الجلاد والضحية ، تبعد وتقترب ، يتدرج فيها المقت المتبادل والشفقة المتبادلة في لعبة غير ممتعة تفرضها الجدران المحيطة بالجميع وذاك الزمن المجتزأ من الحياة ككتلة دون ملامح أو تضاريس .. ، ومسافات من هذا القبيل تشابه الفضاء المجازي بين “لون الكفن ولون فستان العروس” .

إنه بمراوغة أخرى تضاد لا يرتهن للنقائض بقدر ما يحتكم لحالة أسطورية من التآكل المتبادل بين صلابتين ، “بين المرفق وقاعدة النافذة الإسمنتية” ، تواجه صامت وصبور بين اللحم والإسمنت ، لكن المفارق أن اللحم الغض هو الذي سينمو بكلكله ليترك أثره حفرةً من العناد في جبروت الإسمنت الصلد ، وهذا الحفر الأسطوري البطيء سوف يشكل ثيمة هذا الكتاب ، حيث مقارعة القسوة بالحيل الإنسانية المنفلتة عن خفقان الأجنحة في القفص … ومواجهة القوة بإدارة العجز ، والصفعة بالضحك ، والقيظ “بمراوح الملاءة البيضاء، والأهم من ذلك هذا الحس التهكمي في أكثر حالات الإنسان قهراً، التهكم حين يكون طاقة كامنة تستثار من أجل الذود عن الروح ومجابهة تخريب الذات في مكان لا يترك لك ملاذا للهروب من القبضة المتورمة سوى “بين لسانين من اللهب” .

**** **** **** ****

سرد “لحمته جماليات الكتابة القصصية” لا يقوده ترتيب زمني ، ربما لأن الزمن في السجن وقت نفسي ، كتلة زمنية مقتطعة من العمر لا يمكن أن ترسم زمناً خطياً ، حيث تشابه الأيام والوجوه والمحيط تحيل الزمن إلى دائرة ، كل نقطة على محيطها من الممكن أن تكون بداية أو نهاية .

سرد من الممكن معرفة أبطاله ، لكن تلك الإيماضات الخفية التي يلتقطها الككلي تضيء جوانب غامضة من شخصياتهم ، جوانب لا يمكن أن نحدق فيها إلا من خلف عدسة تسلل بها الكاتب إلى عتمة ذاكرته ، ليرى من خلالها تفاصيل تلك الوقائع في عز توهجها بالشعرية والجمال (بمفهومه الإستاطيقي) . فالسجن قد يكون نفقاً مفضياً إلى الموت أو الجنون ، لكن الرغبة الكامنة في الحياة هي التي تروض بشاعة ذلك المكان عبر التنقيب المثابر والبحث الحفري في أعماق التضاد ، وفي المفارقة، كوسيلة جمالية لا تسعى لإضعاف الأضداد إنما لتصعيدها عبر الخفق المتواصل للأصوات الممثلة لها ، حيث تنافر الأصوات في الحياة يسمى فناءً وفي الأدب يسمى مفارقة … المفارقة كخيار إبداعي يفضي غالباً إلى الفكاهة ،تعويذة الفن في وجه قتامة سرد الواقع .

إن كل هذا القدر من الهواء الرمزي الذي يُنتزع عنوة من براثن الاختناق هو ما يقترحه الككلي لترميم ملحمة هامسة ضد اليأس والاستسلام ، هو ذلك البصيص الذي نواصل به المشي في عتمة الأنفاق ، وهو أيضاً ما يقترحه لنا عبر هذا التذكر لنتعلم أن نمضي قدماً ، ولا نلتفت إلا لنتأمل أثر أقدامنا على الطريق كلوحة فرار دائم من كل ما يخصي أرواحنا .

وتلك الدقة المتناهية في الوصف ورصد تفاصيل الواقعة تقنيات يتم توسلها لمقاومة النسيان ، لاوعي الكتابة نفسها يعمل بمثابرة ضد النسيان ، ووعي السارد يعمل بمثابرة على اقتناص أكثر لحظات الإيمان بالإنسان وهو يمضي قدماً ، وبمعنى آخر ؛ يكتب بلغة ضد النسيان مضامين تساعد على النسيان . هذا التضاد داخل تقنيات العمل هو ما يصّاعد بوتيرة النثر ويحافظ على توهجه طيلة السرد ، تضاد لا يشبه إلا ذاك الصراع التراجيدي داخل السجن بين أجساد متعبة وأرواح جاسرة .. المواجهة الصامتة داخل السجن تعلن عن نفسها في مواجهة جسدية تغدو فيها الحواس إحدى أدوات الدفاع ، فتحمي الروائحُ النتنة الضحيةَ من اقتراب الجلاد ، إذ تغدو الألفة هنا ملاذاً للتعايش مع تلك الروائح، ومع الصراصير، ومع كل ما يبعد القبضات عن الوجوه . وهذا التلاغي الجسدي في وطن البشاعة مشفوع بحس رقيق من السخرية، لا ينفك يتسرب داخل الوقائع وداخل الكتابة ، ينهال السجان القصير ضرباً على السجين العملاق مفترضا (أنه

المزيد


قصة قصيرة للقاص الليبي عمر الككلي

أبريل 22nd, 2007 كتبها GRINGO نشر في , باب عمر الككلي

صناعة محلية

 القاص " عمر الككلي " بعدسة عبدالوهاب قرينقو

بلدة الرجبان بالجبل الغربي ، صيف 2006 م

دخل محلاً لبيع القرطاسية والأدوات المكتبية. كان يريد كراسة أوراقها بأربعة هوامش: اثنان: واحد في أعلاها والثاني في أسفلها، واثنان: واحد على اليمين والآخر على اليسار، وكان الهامشان الأخيران الأهم لديه.

- ليس لدينا كراسات صناعة أجنبية.

ثم رمى أمامه بواحدة:

- لدينا فقط هذا النوع. به هامش واحد على اليمين.

لم يفحص الكراسة, وفكر في الانصراف. لكن خطر له أن هامشاً واحداً قد يكفي، فهو سيكون على يمين وجه الورقة التي ستكون على اليسار شفافيتها كافية لتعويض الهامش الآخر، الذي ينبغي أن يكون على اليسار، بالهامش الموجود على يمين ظهرها. أعجبته نباهته، وأحب أن يصوغ ذلك في قاعدة عامة: إذا توفر هامش وق

المزيد