|
إن أهمية العاصمة تتعدى كونها مركزاً إداريًا وتشريعياً للدولة , فالعاصمة هي التي تستقطب الشعور القومي للأمة , والشعور الوطني للشعب ,وهي رباط عناصر الشعب المختلفة , وتمثل رمزاً شبه مقدس لديهم , لان سقوطها أو انهيارها يعني سقوط أو انهيار معنويات الشعب أو الدولة معاً , فكيف نشأت العواصم , وهل هكذا نشأة بعض المدن لتكون عواصم , وإنها هكذا وجدت بلا مبرر لتكون وظيفتها عاصمة , نحن لا نغالي إذا قلنا أن الوظيفة مبرر وجود المدينة , وهي محدد نمط العيش فيها , والأساس في قيامها وتشكيلها ,وتقسم وظائف المدينة إلى أربع وظائف أساسية هي , السياسية , والثقافية , والاقتصادية ,والحربية , والعواصم هي تلك المدن التي تختص بالوظيفة الإدارية والسياسية , هاتان الوظيفتان , علي خلاف باقي الوظائف المدنية الحديثة الأخرى, تختار بمعنى إنها لا تظهر وتنمو طبيعياً كما تنمو الوظائف الأخرى (التجارية والصناعية أو حتى الثقافية ), حيث لا توجد مدينة بلغت نهاية مراحل التطور تقوم بالإدارة وتحرك السياسة فحسب , فهاتان الوظيفتان تمارسان عادة إلي جانب وظائف أخرى, وعادةً ما توكل الوظيفة الإدارية والسياسية إلي المدينة الأولى في الإقليم السياسي أو الدولة , ولما كان من الصعب في أحيان كثيرة تحديد أية مدينة هي الأولى , فأن عملية الاختيار غالباً ما تكون مصحوبة ومشحونة بالحساسيات , حيث كان في السابق يتم اختيار المدينة ذات الموقع الوسط أو المتوسط , ومع تطور المواصلات والنقل بدأت فكرة الدولة الحديثة , ذات الشعور والحضارة المشتركة , ومعها ظهرت العواصم الوطنية , حيث لم تعد مجرد مركز إداري اكبر أو نقطة قيادة عليا , بل أصبحت داخلياً المركز الذي يتطلع نحوه كل البلد , (وضابط الإيقاع ) الذي يحفظ التوازن والتكامل بين شعور الدولة , ويجمع عواطفها وتوجيهها, كما تصبح خارجياً الرمز السياسي الذي يعبر عن الحياة العميقة للدولة وعن أرائها وفلسفتها الحيوية , ونافذة الدولة التي تطل منها على العالم , إن الشرط الرئيسي العام لاختيار العواصم يلخصه العلماء في ( الموقع البارز ) , لان العاصمة ليست مكتباً رئيسياً في الداخل فحسب بل هي نافذة على العالم الخارجي كما سبق القول , إن تحديد موقع العاصمة تتجاذبه فكرتان , وظيفة العاصمة الداخلية ( كضابط إيقاع ) لإقليم الدولة, ووظيفتها الخارجية ( كولي أمر ) للدولة مع الدول الأخرى , والفكرة الأولى تجنح بالعاصمة إلى مبدأ الرأس وبالتالي التوسط الجغرافي , والثانية إلى مبدأ البوابة , وبالتالي الموقع الهامشي , وفي كلا الحالتين لابد من الموقع البارز والذي يتحدد في العديد من الشروط , نحدد منها خمسة ( التوسط الهندسي , الاكيومين, النواة النووية , التوجيه السياسي ,العامل التاريخي ).
- التوسط الهندسي:- إن النظرة المثالية للعاصمة هي توسطها للدولة, وبذلك تكون في مركز الثقل الهندسي وقد يكون سبباً في حمايتها من خطر الهجوم البري أو لإيجاد نوع من التوازن بين أجزاء الدولة ,والتوسط الهندسي للعاصمة يتكئ بالأساس على علاقة العاصمة بالحدود السياسية للدولة , ومن ثم كل ذبذبة في الحدود تهز توسط العاصمة .
- الاكيومين :- ويقصد به الإقليم ذو الكثافة السكانية العالية في الدولة ,حيث عادةً ما تتوسط العاصمة اكيومين الدولة , والذي تحدده ثلاثة عوامل رئيسية : الموقع والتضاريس والمناخ , فالموقع عادةً ما تتوسط العاصمة الاكيومين , أما التضاريس, فأن السهول و الأودية وبالتالي الأماكن الخصبة هي التي توجه السكن في الإقليم, ومن ثم نشوء العاصمة , أما المناخ فتسعى العواصم أن تكون في الأقاليم الأمثل مناخاً في اغلب الأحيان.
- النواة النووية:- إن العاملين السابقين لا يفسران جميع مواقع العواصم فلقد أطلق العالم هويتلزي مسمى (النواة النووية) إمعاناً في التأكيد , وهو أن تتم وحدة دولة حول إقليم معين منها , فيكون من الطبيعي لعاصمة هذه النواة النووية أن تصبح العاصمة القومية الموحدة للدولة .
- التوجيه السياسي:- وهذا العامل يرتكز على توجه الدولة الخارجي, نحو تيارات الحضارة الرئيسية , أو محاور السياسة العالمية الكبرى , فبقدر ما تتوجه الدول إلى الخارج , تكون سهولة الاتصال بذلك الخارج , اعتباراً هاماً في مواقع العواصم .
- العامل التاريخي:- إن تاريخ نشوء الدولة والقومية لبلد ما, لا يمكن تجاهله عند اختيار موقع العاصمة, حيث أن فقدان العامل والبعد التاريخي, يضفي على العاصمة عنصراً اصطناعياً ويعطيها صفة غير شخصية ومجردة.
إن كل عناصر الحياة السياسية مهما تضخمت محدودة : الحاكم والسلطات والهيئات التنفيذية والتشريعية والمحاكم والتمثيل الدبلوماسي الأجنبي , مضافاً إليها الخدمات المحلية الضرورية كالتجارة والفنادق والخدمات المالية وما إليها , جميعها وظائف إدارية , لا تستوعب من القوى البشرية في الدولة مهما تضخمت أجهزتها إلا نسبة صغيرة جداً , رغم أن الحكومة عادةً هي اكبر (صاحب عمل) في الدولة , فالعواصم السياسية البحتة هي في الواقع عواصم اصطناعية , وهنا لابد أن نذكر أن اختيار مدينة صغيرة أو متوسطة لتصبح عاصمة للدولة من حيث الحجم هو السبب الوحيد في اختيارها لهذه الوظيفة , عكس ما نعتقد لأول وهلة , وفي هذا الصدد هنالك اتجاهين متعارضين تماماً , اتخاذ اكبر مدينة كعاصمة , وتحاشي أن تكون اكبر مدينة هي العاصمة , حيث أخذت دول أسيا بالمبدأ الأول , وأخذت الولايات المتحدة الأمريكية وبعض دول الكومنولث البريطاني بالمبدأ الثاني ,إن خلاصة تأثير طبيعة الوظيفة السياسية , هي أن تجعل من العاصمة( لعبة الحكومة المدللة)كما يقول هويتلزي.
مدينة طرابلس هي اكبر المدن الليبية وتعرف أحياناً باسم ( طرابلس الغرب ) وهي من المدن الليبية التي نمت نمواً سريعاً في كل مظاهر الحياة كالنشاط الاقتصادي والثقافي والعمراني , وقد كان الموقع الذي نشأت فيه المدينة عامراً منذ عهد ماقبل التاريخ ,ثم في مرحلة لاحقة أنشاء الفينيقيون في ذات الموقع سوقاً ومركزاً تجارياً, أطلقوا عليه اسم ( ماكار أويات) وهو الاسم الذي اخذ منه الرومان لفظ أويا , الذي اشتهرت به طرابلس في عهدهم , وكانت أويا احد المدن الثلاث (أويا , صبرا ته , لبدة ) وتعرف مع بعضها (ثري بولس ) حيث أخذت منه فيما بعد طرابلس اسمها, وذلك نتيجة تفوق أويا على المدينتين الأخريين في عهد الإمبراطور اوغسطس , والذي جعل منها ( مدينة حرة ) وأعطاها الحق في أن تكون لها عملتها الخاصة بها , وقد شيد فيها في ذلك الوقت مبان جميلة مازالت بعضها باقية إلى يومنا هذا , ومن أشهرها ( قوس ماركوس اوراليوس ) , وقد زاد الرخاء في المدينة في تلك المرحلة من تاريخها , بسبب وقوعها عند نهاية الطرق الصحراوية , وازدهار الزراعة بمنطقتها , ثم وصلها الو ندال من أوربا فسادت بوصولهم الفوضى والاضطراب إلى أن عاد البيزنطيون واحتلوها في سنة 533 ميلادية ,وفي عام 642 ميلادية دخلها جيش عمرو بن العاص ,ومن ثم في ما بين عامي 800-909 م انتقل حكمها إلى أسرة الاغالبة , ثم في القرن الحادي عشر وصلت هجرات بني هلال وبني سليم وقد ساعد وصولهم على تعرب سكان المدينة ود
|