

شهوة الانتظار: قراءة في قصائد خلود الفلاح
محمد الأصفر
هناك من يمارس الشعر كتابة بصورة يومية وهناك من يمارسه يوميا بصور أخرى غير الكتابة والنوع الثاني تجده مقلا في إنتاجه الشعري المكتوب فبعد شهور طويلة نستطيع أن نقرأ له قصيدة من بضعة كلمات .. وبالطبع سنجد هذه الكلمات القليلة كما الجواهر النادرة مفعمة بالشعر والحياة واللمعان والجمال .. وهذا لا يعنى أن من يكتب الشعر بصورة يومية شعره ضعيف أو هزيل فهناك من الشعراء الكبار المتوحدون مع الشعر أو بالأحرى المدمنون عليه فلا يمر يوما إلا وقد كتب قصيدة جميلة منهم على سبيل المثال الشاعر المبدع سعدي يوسف الذي تحولت حياته في سنواته الأخيرة إلى قصيدة إبداعية يعيشها قبل أن يكتبها فنجد في قصيدته الأمكنة ممتزجة بالتاريخ بأحاسيس النفس العميقة بالتجريب الشعري عبر الاندفاع في مغامرة البحث عن جماليات جديدة لم تطرق سابقا .. ولكن مقابل ذلك نجد الكثير من الشعراء الآخرين الذين يكتبون بصورة يومية بل كل ساعة دون أن يحققوا الإضافة أو ينتجوا الإبداع أو يمسوا الجديد .. ونجد قصائدهم مع احترامي لمشاعرهم ولحبهم للشعر مجرد ثرثرة مملة تكرر ما قيل سابقا أو تصور لنا صور نجد فيها اللون والخط والظل ولا نجد فيها الخيال ولا الشعر.
من الأصوات الشعرية التي لا تكتب كثيرا وتعيش الشعر كثيرا عبر إغراق رأسها بصورة يومية في الكتب قارئة ومتأملة أو عبر تجولها اليومي في مواقع الفضاء الإلكتروني مطلعة ومتابعة للجديد ومتواصلة مع الشعراء والشاعرات في مختلف بقاع الأرض.
هذه الشاعرة هي الليبية خلود الفلاح التي بدأت مغامرة الشعر منذ بداية الألفية الثالثة حيث أصدرت ديوانها الشعري الأول على نفقتها الخاصة بعنوان بهجات مارقة .. وفور صدوره تم الاحتفاء به من عدة كتاب ونقاد ليبيين وعرب .. حيث كانت قصائده نقلة نوعية في القصيدة الشعرية الليبية التي تكتبها المرأة حيث جاء الديوان الذي اعتمدت فيه خلود بصورة خاصة على الحياة اليومية والكلام العابر والصور والمقتنيات التي تحيط بها في المطبخ وغرفة النوم والمكتب والشارع متخذة من تقنية الومضة وموسيقا قصيدة الهايكو اليابانية عتبة تدخل عبرها إلى أجواء قصيدتها.
فالديوان صغير جدا .. بحجم قبضة اليد .. من الممكن أن تحمله في راحتك وكأنك تمسك بحمامة .. ومع كل ريشة في الحمامة تلمسها .. تلمس قصيدة في هذا الديوان الذي يشعرك بدفء غير مألوف وانتعاشة تمس ذائقتك بحنان فتجد نفسك قد تقبلت هذه القصائد البسيطة ذات الكلمات المتداولة .. لا اشتقاقات معقدة .. ولا صور مركبة مبالغ فيها .. كل شيء في القصيدة تجده وقد تصور أمامك . مشط .. ورد .. كراسة ..قلم .. نافذة .. كوب .. أشياء كثيرة منها الحية ومنها التي من الجماد ولكن في القصيدة الكل يتحول إلى حياة أبدية .. بها كل شيء .. يومها يطول .. وشهرها يقصر .. وساعاتها تتمدد





















