الحديقة


الربيعي يقرأ في عزلة ماركيز

سبتمبر 24th, 2007 كتبها GRINGO نشر في , ربيعيات

 

مائة عام من العزلة

تعددية نصية لفكرة متوحشة تكرس الإنسان

16/09/2007

علي الربيعي

أربعون سنة مضت على صدور هذه الرواية الشهيرة التي لم تنبه إلى ظهور كاتب مميز وحسب , وإنما أدى نجاحها إلى تفجّر اهتمام  منقطع النظير بأدب أميركا اللاتينية قاطبة , فقد حولت هذه الرواية غابرييل غارسيا ماركيز من صحفي مغمور إلى روائي من طراز رفيع يحمل سمة كوزموبوليتية في أعماله التي تلت هذه الرواية , فبرغم نشره العديد من الروايات التي سبقت " مائة عام من العزلة " حين كان يعمل صحفيا في بداياته , كرواية غرباء الموز التي نشرها عام 1955 والتي لم يتجاوز وقتئذ عدد نسخها الألف نسخة . إلا أن  لهذه الرواية التي ترجمت لأكثر من ثلاثين لغة _ من بينها العربية _ سمة تختلف عما أنتجه بعدها من روايات , وكما يقول ماركيز في مذكراته أثناء كتابته لها بأنه كان يبحث عن عمل روائي مختلف يحمل فكرة جريئة لم تُكتب من قبل .وهذا ما تحقق بالفعل إثر نشره لها حيث كانت من أهم ما كتب من روايات , إن لم تكن أهمها على الإطلاق ,الأمر الذي وجّه إليه أنظار الأكاديمية السويدية لترشيحه لنيل جائزة نوبل للأداب والتي تحصل عليها بعد خمسة عشرة عاما من صدورها

فالعالم الذي يستحضره ماركيز في "مائة عام من العزلة " والتي تنتمي لفن " الواقعية السحرية " لم يكن بعالم تخييلي ينبض بمشهديته وأحداثه وفق نسيج روائي محكم وعالي الكفاءة والفاعلية وحسب … وإنما هو ذلك العالم الذي يتعدى حدود الواقع والممكن من خلال خلق مرادف للمعيش اللحظي للإنسان أينما حل ّ, وأينما كان , ولكن من زاوية رؤية غرائبية وغير متداولة وبطريقة تصويرية غير متاحة للكثير من الروائيين لالتقاطها ضمن ذلك الواقع , فالرواية عند ماركيز هي أن يقول ويكتب ما يرادف المعتاد ولكن بطريقة غير متداولة , فهو لا يجتهد في ملامسة قارئ بعينه قدر سعيه لاستدعاء الإنسان المتأصل في تلك الذات البشرية المنهكة والمهزومة والحانقة أيضا من ذاك الواقع , لذا  يجذر بنا هنا الإشارة لمسألة التفرد الذي نتج عن تميز هذه الرواية والذي تقوم في الأساس على مبدأين اثنين , أولهما هو العنصر التقني البحث والذي لسنا بصدد الخوض فيه والمتمثل في إنتاج متن روائي محكم ضمن عناصر تأسيس أي عمل روائي وهما الزمان والمكان والثاني هو عنصر التلقّي الغير خاضع لفكرة يؤسسها ماركيز بتعمّد , ليلقي بها إلى القارئ , فقد خرج ماركيز وبوعي كبير من دائرة تأطير الإنسان من خلال النأي وبوعي كبير ,عن الأحداث التي من شأنها أن تكون المحرك الوحيد الذي يصنع قيمة الفرد المتمثلة في المفاهيم المتداولة لبثها في شخوص الرواية المعقدة والمركبة في علاقاتها ببعضها البعض , إذ أن علاقة الشخصيات ببعضها أخذت منحى ً بوهيمياً يتميز بالحرية المطلقة التي فرضتها منظومة أعراف وقوانين العزلة من خلال إطلاقها _ أي العزلة _ لعربدة الغريزة بكافة مشاعرها , تلك المشاعر ذات الأبعاد الوجدانية التي تختلف عما أنجز من روايات , حيث لم يكن بالسهولة بمكان التطرق إليها ومن ثم عرضها بالطريقة التي قام بها ماركيز, حيث كان الجنس والخوف هما العنصران الأكثر تعقيدا , لذلك أرى أنه من المجدي هنا التوقف عند مفهوم " الحكمة الوجودية للرواية " والذي تناوله الروائي التشيكي ميلان كونديرا _ المرشح بقوة لنيل نوبل للأداب _ ضمن مقال نشره بملحق " عالم الكتب " بصحيفة لوموند الفرنسية  حيث كتب في سياق حديثه عن " مائة عام من العزلة " بأنها إنتصار للرواية . إلا أنها، وعلى نحو مناقض، تعلن انتهاء حقبة، هي حقبة جعلت من الفرد «أساس كل شيء».
وذلك من خلال تسليطه _ أي كونديرا _ الضوء على مفهوم الحكمة الوجودية للرواية  ملتقطا تيماته الخاصة في التركيز على فكرة وحدة " فرد المجتمع " , وذلك من خلال فكرة غريبة , قد تكون ساذجة للبعض حين التقطها أثناء قراءته للرواية والتي تفيد بأن" ابطال الروايات الكبيرة لا أطفال لهم , ولم يظهر هذا العقــــم عن سابق تصور وتصميـــم لدى الروائيين، إنما ظهر من التفكير في فن كتابة الرواية (أو العقل الباطن لفن الرواية) الذي ينفر من فكرة الولادة ".
لذلك فالتأثير الذي حققه ماركيز بالنسبة للقارئ هو تلك المساحة الشاسعة لتنضيد جاهزيته تلقائيا من أجل خلق قدرة لا تقل دهشة ًعن أحداث الرواية ذاتها لإيجاد متلق ٍ متعدد الاستقراء والاستنباط في استقطابه لنصه الخاص , وذلك من خلال تفتيته للنص الروائي بدرجة رؤيا تنفرج أو تحد حسب مدى فاعلية ذلك التنضيد من قارئ لآخر في عملية التقاطه " لمنجزه الفردي من الرواية " , وهنا تكمن براعة ماركيز الذي لا يقمع متلقيه رغم مكره الشديد في استدراجه لفخ الدهشة تلك , والتي عمل عليها بجدية كبيرة بالإضافة إلى عدم فرضه لأجندة سردية مسبقة لا يمكن بأي حال من الأحوال تجاوزها أو القفز فوق تبعاتها , إذ أنه قادر على خلق " تعددية نصّية " ضمن وحدة المتن وبقراءات شاسعة غير محددة وبالتالي غير مؤطرة !
فالفكرة الحيوية التي تقوم عليها الرواية رغم رعبها ووحشيتها لم تكن محض افتعال " هروبي " للبحث عن فعل روائي معين يأخذ في الاعتبار سمة الاختلاف كهدف أساسي للكتابة الروائية ضمن سياق اجرائي تقني بحث _مهما بلغ من كفاءة _ , وإنما جاءت الفكرة منسجمة مع الحدث الروائي  استجابة لتفرّد رؤية "ماركيزية " لكتابة المتداول _ رغم صبغة الأسطرة والغرائبية _ ولكن بعين سينمائية وبمشهدية تنأى عن التداول , لذا كانت عزلة المجد التي كوّنها ماركيز في قرية ماكوندو خارج دائرة تناصها مع التاريخ .. ذلك التاريخ الذي طالما شكّل ملجأ ً ثريا ًخصبا ً لفضاء الرواية العربية وهنا أقصد بالتاريخ , ذلك التاريخ بمفهومه الزمني المحترق الغير منتمي للراهن الاقتصادي والاجتماعي والسياسي , وإن كان لا يمكن إلا بأن يكون الواقع المعاصر امتدادا للتاريخ ضمن هذه المستويات الثلاث الهامة جدا في الكتابة الروائية, فنحن كمجتمعات وأفراد لسنا متجذرين في التاريخ بقدر ما هو متأصل فينا , إذ إنه ذلك  التاريخ البلا وظيفة , وذلك التأصيل الذي يحجب المستقبل ويهيئه للتأريخ ذاته مرة أخرى في دورته السخيفة والساذجة تلك ..

عزلة المجد ومنفى الخيبة

القصة تبدأ بتكوين خوسيه اركاديو بوينديا قرية ماكوندو من لا شئ والتي سرعان ما تتحول إلى قرية ضاجة ومليئة بالحياة حيث كان العالم حديث النشوء , حتى إن أشياء كثيرة كانت لا تزال بلا أسماء ومن أجل ذكرها كان لابد من الإشارة إليها بالإصبع , وضمن هذا النشوء يتعرف بطل الرواية الأول لآل بوينديا  على غجري كان ينصب خيمته مع عدد من الغجر قرب القرية ليعرض بضاعته على سكان القرية والتي يولع بها خوسيه بوينديا كثيرا إثر زيارة الغجر للقرية في شهر آذار من كل عام فتتوالى الأحداث بتواتر مدهش لينجب خوسيه اركاديو أربعة أولاد , هم خوسيه اركاديو واورليانو وامارانتا وريبيكا ( ابنته بالتبني)  , لتتشعب العلاقة وتتعقد بعد أن يكبر الأبناء ليصبح تعامل الشخصيات مع بعضها أكثر تعقيدا , وليبرز بالتالي مفهوم القيم في ظل العزلة التي تغيّر بإستثنائيتها جل المفاهيم  بشكل يدعو إلى دهشة التساؤ

المزيد