اشكال المسرح الحداثة

أحمد الفيتوري
إن المسرح يضعنا في مواجهة ، بين الذات والدراما/ الحداثة ،لأنه نتاج تواصلنا مع الحضارة الحديثة . انه هوية نهضتنا ، فالسؤال عن ماهية المسرح عندنا سؤال عن ماهية النهضة ذاتها.
وهكذا هو اشكال بقدر هي ما نهضتنا اشكال ..
إن النظريات المسرحية الغربية قد حددت مفهوما عاما للمسرح ، ومن ثم التطور والتغير اللذان تعرض لهما هذا المسرح ، بحيث أمكن تحديد هذه المتغيرات وتأطيرها نظريا، فظهر مثلا اصطلاح المسرح الكلاسيكي لنوعية محددة من العرض المسرحي ومن الكتابة المسرحية.
ولقد حددت استمولوجيا المسرح هذا الأصطلاح من خلال مفاهيم العرض المسرحي (أي النص كعرض ) وهكذا غير مسرح بالكلاسيكى لتوافر عناصر متعددة ، مثل وحدة الزمان والمكان ، وحدة الحدث وترابطه المنطقي .. الخ .
ثم ظهر المسرح الشكسبيري وانطلق تغيير جديد عرف بالكلاسيكية الجديدة .. الخ لقد كانت هنالك منطلقات محددة أنتجت نوعية مسرحية اصطلح على تسميتها بالكلاسيكية فالكلاسيكية الجديدة وهلم ، وهذه المنطلقات نتاج تاريخ وتقاليد مسرحية عريقة ومقننة .
لكن السؤال : هل يمكن استعارة نفس محددات المفاهيم المسرحية التي يرتكز عليها اصطلاح المسرح الكلاسيكي لنحدد الكلاسيكي -مثلا -في مسرحنا الذي تنعدم في ثقافتنا أي مرجعية تشخيصية له في ثقافة لا تشخيصية أصلاً؟
إن هذا السؤال أي ما هو مسرحنا ؟ يسبق السؤال حول القديم والجديد فيه ومن ثم التجارب الجديدة حقا هذه التجارب يجب أن نعترف انه رغم كل المظاهر الدالة على سلامة طرقها إلا أن وسائل تمييزها عن الطريقة التقليدية ليست بالبساطة التي قد تبدو للبعض .
وهكذا نحن ملزمون باستعادة النقاط التالية :
أولا : مسرحنا بدأ مع بواكير النهضة العربية الحديثة التي بدأت مع إطلالة القرن الماضي بكل ما لها وما عليها.
ثانيا : لا يعاني المسرح عندنا من اشكال الثنائية النهوضية : تراث / معاصرة وان كان يعايشها.
ثالثا : المسرح لم يصبح بعد ثقافة ، إذ هو فرجة وثقافة عين في حين أن التراث العربي له موقف مشهود من الثقافة التجسيدية "مسرح / نحت / رسم ".
رابعا : لم يتم التأريخ لمسرحنا وبالتالي لم تتم دراسة العرض المسرحي إلا فيما ندر ، والكثير من الدراسات المعروفة تهتم بالنص المسرحي أي تهتم بالأدب التمثيل «كما سمى النص المسرحي عند الرواد» هكذا يبدو أن سؤالنا يطرح سؤالا هو هل مسرحنا مسرح التأسيس ؟ وإذا كان كذلك فهل يمكن القول : تأسيس / كلاسيكي تأسيس / حديث ؟ وإذا لم يكن كذلك فهل يمكن أن نوضح مبدأ التواصل والاستمرار، وبالتالي تحديد الحقبة الجديدة ، أي مبدأ الانقطاع والانحلال ؟
لهذا فإن المسرح / سؤال وهو اشكال حضاري ، فكما قلنا في البدء أن المسرح هوية نهضوية ، فإننا نعود لنؤكد انه حين يدور الحديث عن فن الدراما عندنا يدور ضمنا حول تراجيديا النهضة ، وهما يختلطان بشكل لا يقبل الفصل تقريبا ،، لهذا فإن أي وعي مسرحي هو وعي ممزق "يخترق الوعي على هيئة سؤال ".
والوعي الممزق يتمسرح بافتراض : أن الاستحالة ممكن ، فيجد في خيال الظل كلاسيكية مغايرة وابن دانيال يوربيدس وفي مشهد مقتل الحسين امكان دراما، وفي الحلقة الصوفية تمسرحا احتفاليا. وفي السامر شكلا مسرحيا خاصة ، وبالتالي تحققا معرفيا -بالقوة لنظرية المسرح العربي.
ولكنه في الواقع وعي يتحقق على هيئة سؤال : ما هوية المسرح العربي ؟
ولنفترض ان التسليم بأشكال وشكل التأسيس هو الممكن الوحيد الذي يجعل للسؤال محلا في الزمان والمكان ، هنا والآن . وعليه فالتأسيس هوية وأشكال البحث المشار اليها اعلاه امكانية.
وهكذا يمكن ان يتحقق المسرح لانه سينفي هويته هذه من خلال بحثه المضني لتحقيق المسرح/ العربي الذي يعنى اق يصبح ثقافة عين ومخيلة وذاكرة ويصير من تقاليد الثقافة العربية التقليدية (شعر / موسيقى / خط / زخرف نقش .. الخ ) وتصير لدينا ذاكرة شخصية اذا سلمنا جدلا بهذا الافتراض فالجديد حقا هو التأسيس ذاته بما يحمله من استقراء واستنباط ومن تركيب وتوظيف ، ولأنه لا يمكن التحقق من الانقطاع بدون التأصيل والتواصل لهذا فإن هذه التجارب المتعددة بقدر ما تعمل على التأصيل بقدر ما تنحو الى التجديد.
ويبدو أن مقدمة كهذه تؤدي الى نتائج متعددة وإجابات متنوعة لاننا نعتقد أن التأسيس / الهوية يتسم بالتجريب الذي فيه التأصيل تجديد ولاعتبار انه استحدث فالوحدة هنا كامنة في الاختلاف بحيث يبدو الواقع وكأنه "صالة انتظار لمجىء الكلاسيكي".
هذه المقدمة الافتراض لا تنفي الافتراضات الاخرى بل تؤكدها بحكم انها مقدمة -سؤال وبهذا الطرح تدخل في اطار تعدد الاجابات وان كان في السؤال يكمن احتمال اجابة ، وفي اجابة كهذه تكمن المغامرة والمفاجأة لأنه بدون «استدخال التعددية والمفاجأة يواصل الواقع والمعرفة انطللاقتهما في ضرب من العطالة والحشو».
لما تقدم فإننا نرى المسرح في مصر يبحث في هذا السؤال عموما عبر النص بهـ الكتابة دون النص العرض ، ويسمى هذا المسرح التواصل والارتباط بالمصدر «المسرح الغربي».
ونجد ان اشكال القالب المسرحي عند توفيق الحكيم مشكل النص / الأدب ، فيما يحاول يوسف إدريس البحث المضني عن الهوية من خلال تعدد المعالجات الدر امية للنص / الكتابة ، والفريد فرج يعالج الدراما التراثية كالسير والحكايات فيما يبقى المسرح باعتباره العرض هامشا على المتن .
يقول الاستاذ "حسين الشعبي" : ظهرت في مجال المسرح دعوات للمطالبة بالتحرر من قبضة المسرح الأوروبي فجاءت صيحة يوسف إدريس بالعودة الى مسرح السامر المصري لخلق مسرح عربي أصيل .. لأن الفن على حد تعبيره "ظاهرة اجتماعية انسانية لابد لانتاجها من بيئة معينة تتبع شعبا معينا وتنتج من اجل ذلك الشعب " وتشكل هذه الدعوة تعبيرا صادقا عن الروح الطامحة للاستقلال عند المصريين والعرب مابعد ثورة يوليو 1952و كذلك دعوة توفيق الحكيم لقالب مسرحي مصري .. والمحاولتان معا -على جرأتهما - لم تستطيعا باعتراف قطبيهما التخلص النهائي من الاشكال والتقنيات المسرحية الجاهزة لدى الغرب وبذلك فإنهما لم تعرفا للتجاوز طريقا.
غير أن هذه المغامرة فتحت الباب للتعددية والمفاجأة بحيث انه في ظرف عقدين من الزمن امكن رصد رصيد مشترك يقسم بالاختلاف ويهدف للتأسيس كما عمل سعدالله ونوس ، ومسرح التسييس وعز الدين المدني والمسرح التراثي وعبد الكريم برشيد والمسرح الاحتفال وروجيه عساف ومسرح الحكواتي والمرحوم محمد مسكين في مسرح النقد والشهادة والمسكيني الصغير والمسرح الثالث .
"المسرح الثالث نموذجا"
لماذا؟
أولا : "لأنه بمثابة توجه جديد نحو منعطف جديد في تأهيل الظاهرة المسرحية ".
فالمسرح الثالث يقدم كتيار مسرحي ينطلق من مسؤولية الاختيار والوعى بها ، فهو اختيار ثقافي / مسرحي / ايديولويجى لا يؤمن بالبراءة او الاختيار ، اذا البراءة في الفن مدانة لأن الاوضاع الثقافية والسياسية والاقتصادية السائدة مبنية على الاختيار ، فإما أن تختار التكريس والتبرير واما ان تختار الحرية فلا مجال للحياد في الاختيار .. إذ الحياد اختيار..
ثانيا : لأن تجربة المسرح الثالث تؤكد على ان المسرح عرض وان النص / الكتابة ليس مسرحا حتى يصير النص / العرض . وبهذا يكشف عن اهمية العلاقة بين المرسل والمرسل اليه .
ثالثا : تبدو هذه التجربة نتاجا لاشكال المسرح عندنا . فهي نتاج لتجربة المسرح الاحتفال الذي جاء كرد فعل على المسرح الغربي واهتم لذلك بالتراث الشعبي (الموقف الانثربولوجى) والمسرح الثالث نتاج للاجابات المسرحية المصرية حول سؤال المسرح هذه الاجابات التي بقيت في اطار المشكل الادبي أو التأليف الدرامي..
رابعا : المسرح الثالث مسرح هواة وكل تأسيس هواية أي مغامرة وتجذيف ،، وثورة ..
خامسا : هنالك نقطتان هامتان :
أ - سمة مغربية تجنح للتنظير- الاستقراء -الاستنباط ، التركيب التوظيف .
ب -سبب معرفي شخصي وهو الاطلاع على عروض مسرحية لهذا المسرح واطلاع على نصوص للمسكيني الصغير وعلى بعض الكتابات حول هذا المسرح .
تصدر عمل المسرح الثالث بيان قالت ديباجته :
"ربما أصبح علينا أن نحدد فهمنا الجيد الواعي لمسيرة المسرح المغربي عبر امتداد التجارب المتعددة التي عايشها المسرح الهاوي المغربي ، لذا سوف نفاجىء الغائب وندعو الحاضر إلى المشاركة في طروحات ظلت تراودنا ، لقد كانت ضرورة التجريب والملاحظة ،، والتجريب على جميع الاصعدة النظرية التي شملت مجالات الفعل الانساني على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي ، كانت اساسية أجل ووضعت منهجة طروحاتنا التي تتنفس الصعداء امام طروحات فلامينة حول المسرح المغربي بصفة عامة .. حيث تجلى هذا في التدخل الرسمي بالنسبة لتعريف المسرح ودوره ..هذا التعريف لا يمكن الاعتماد عليه او الاخذ به نظرا لبعده الواحد الذي يخدم جانبا واحدا .. أو التدخل الحر الفردي الذي تأثر بشكل أو بأخر بنظريات أكاديمية صرفة أو قريبا منها والثورة عليها أحيانا … بالاضافة الى نشر كثير من الاجتهادات والدعوات الى مفهوم المسرح المطلوب . أمام هذا التداخل في الطرح .. فإن المفهوم الحقيقي للمسرح العربي .. انطلاقا من وضعه ظل حبيس التأثر والذاتية .. لذا فقد أصبح من الضروري متابعة هذا البحث وتقنينه في إطار الفعل المسرحي ".
وقد أشار البيان الى إشكالية الطرح والواقع فأكد على أنه مسرح التاريخ والزمان والمكان .. شارحا المكان بأنه جغرافيا الجنس والمواجهة ، فالمكان امتداد عربي في مواجهة عدو (استعمار متعدد الأوجه ) والتواجد في الزمان يكون عن طريق (التلمس يعنى الانتقال من الملموس إلى المحسوس ) و أدلا يمكن أن يكون عامل الزمان مجرد إحساس بعيد عن عملية التفاعل المكاني والحضاري والتاريخ أو ذاكرة الح
المزيد