أنسي الحاج: انتبهوا.. “السمعة الطيّبة” قد تخفي شاعراً آخر
حسين بن حمزة
( الرأس المقطوع ) وصل (أخيراً) إلى القاهرة !!!!!
طبعة شعبيّة لأعماله في بلد صلاح عبد الصبور، حيث يملك تأثيراً خاصاً ــ بين «روّاد الحداثة» ــ على الشعراء الجدد. وبيروت تستعدّ للاحتفال بسبعين صاحب «لن» الذي التصقت به صفة «المتمرّد» و«الملعون». ماذا لو نعيد قراءة أنسي الحاج؟
ما إن يأتي ذكر أنسي الحاج حتى نذهب فوراً إلى مجموعته الأولى، بل يذهب معظمنا إلى مقدمة تلك المجموعة التي اعتبرت، وما زالت، البيان الأول والأكثر حيوية ونضارة لما يمكن أن تكون عليه قصيدة النثر العربية. لكن هذا الذهاب يتوقف غالباً عند المقدمة ولا يتوغل في الإنجاز الشعري الفعلي الذي تحقق فيها والوعد الذي قطعته على نفسها، وعلى القارئ، بما سيكتبه الشاعر لاحقاً.
إنه ذهاب سريع، ويكاد أن يكون سلوكاً بافلوفياً، بالنسبة إلى بعضهم، يربط اسم الشاعر بـ“لن” وحدها. صحيح أنّ هذا الذهاب يكشف بصمة أنسي الحاج المبكرة والقوية والمتفردة، إلا أن ذلك يكشف أيضاً سلوكاً نقدياً شديد الكسل… الاعتراف بالسمعة الطيبة لتلك المقدمة، ولـ“لن” عموماً، يوقف الشاعر عند تلك اللحظة، ويكتفي بها، غافلاً عن منجزه المترامي
الحدود. أنسي الحاج (يسار) مع رفاق مرحلة “شعر”: يوسف الخال وشوقي أبي شقرا وأدونيس بقي أنسي الحاج على الدوام شاعر “لن”، رغم التقدير الذي حظيت به مجموعاته الأخرى. وهذا المديح الجاهز يتجاهل التفاصيل الكثيرة والخصبة في تجربته، يتجاهلها ويجهِّل القارئ بها.
هذا النقد الاختزالي هو وراء تنميط أنسي الحاج، ودمغه بصفات وألقاب مثل “المتمرد” و“الثائر” و“الوحشي” و“الملعون”. ألقاب، وإن رافقته حقاً، وخصوصاً في أعماله الأولى، تحولت لاحقاً إلى حجب وعوائق تمنع القارئ من التفاعل مع التجربة الحية. إن تنميط الشاعر واختزاله منعا النقد نفسه من معاينة تحلّل صفات الثورة والتمرد والوحشية وتشظيها، إلى تدرجات وأطياف جزئية ومتناهية في الصغر. باتت “لن” نوعاً من اللعنة والنعمة في آن معاً. كثيرون اليوم، يحفظون عناوين مجموعات الشاعر أكثر من تذوقهم لإضافاته الشعريّة. أنسي الحاج مجرّد موضة؟ بقي الاهتمام مركزاً على ألقاب الشاعر وصفاته، فيما هو يوسّع مساحاته… ما أثّر سلباً في استقبال القارئ لكتابات أنسي الحاج الأخيرة. وحين كان بعضهم يزعم أن “خواتم” و“الوليمة”، مثلاً، أقل وحشية وأقل رفضاً وثورية، فإنهم كانوا يشيعون نوعاً من المساواة الواهمة
بين شعرية تلك الأعمال والصفات الأزلية للشاعر. توهّم هؤلاء أن شعر أنسي هو، فقط، ألقابه وصفاته!
أوقفنا أنسي عند حدود “لن”، غافلين عن أنّ الشاعر دعانا إلى مجاراة وحشيته وهي تتقدم في “سن” المعنى وتكتهل… دعانا إلى ملامسة رفضه وثورته ولعنته وهي تتصفى وتكتسي بالحكمة من دون أن تتروّض أو تفقد توترها وحسيتها ووثوبها. باتت شعريّته في قاع الجملة وأحشائها. وإذا كان هدير “لن” يُسمع حتى اليوم، بفعل تدفق اللغة، فإن الشاعر، دعانا لاحقاً - وخصوصاً في “ماذا فعلت بالوردة ماذا صنعت بالذهب” ثم “الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع” - إلى “وليمة” شعرية أكثر صفاءً وأكثر عمقاً. العبارة تقود اللغة الهادرة والمندفعة إلى مصباتها. كان كلما ازداد عمق المعنى، خفت هديره على السطح.
لم يبدل أنسي الحاج جلده. ما زال ذلك الشاعر الذي يهرب من رخاوة اللغة وروتينها المعجمي. لم ينكر ثورته ووحشيته في “لن” و“الرأس المقطوع”. لكن من اعتاد الأصوات العالية، ووطّن سمعه النقدي عليها، سيفقد الاتصال والتواصل مع جملة الشاعر، وهي تمتلئ وتنزل إلى الأعماق. التوتر بات مغلفاً بما راكمته التجربة والممارسة. ويكفي أن نحكّ جملة أنسي الحاج اليوم، لكي تكشف لنا عن روح ذلك الشاعر الذي أراد أن يسمعنا صوته الخاص والمنفرد قبل أكثر من أربعة عقود.
أليس غريباً أن يُشهر شعراء قصيدة النثر اسم أنسي الحاج كواحد من أسلافهم الكبار، بينما قراءته لا تزال متوقفة عند مجموعة “لن” ومقدمتها؟ طبعة جديدة من أعماله الكاملة في القاهرة قد تكون مناسبة لقراءة حقيقية ومنصفة.
* * *
صاحب ( لن ) و( الرسولة ) في عيون مصريّة
إنه أنسي الحاج فقط، ألا يكفي هذا كي نحبه؟
محمد شعير
“في مرسم الصديقة الفنانة اللبنانية نجاح طاهر، قابلت أنسي للمرة الأولى»، يعود الشاعر عبد المنعم رمضان إلى
المزيد