الْمنْجَل


· أحمد يوسف عقيلة.
… (حمد المَنْجَل) تقلَّب في عدَّة وظائف حكومية.. بطناً وظهراً.. ابتداءً من مُحاسِب صغير قابعٍ في رُكن مكتبٍ مُعتِمٍ رَطِب.. مروراً بتاجر شَنطة بين ليبيا وشرق آسيا.. وانتهاءً بمدير شركة لها فروعها في كل أنحاء بلادنا الشاسعة.
(يعرف من أين تُؤكَل الكتف).. ويأكل (ناقة الله وسُقياها).. باختصار هو من أولئك القادرين على (أكل الدّاعي والمدّعي).. والأهم من ذلك أنه يُدرِك أنَّ (البقرة السوداء تُدِرُّ حليباً أبيض).. يُقال بأنه لم يخرج من رحم أُمّه بالرأس.. صارخاً كسائر الأطفال.. بل وُلِد برجليه مُتلفِّتاً مُبتسِماً.. مُزوَّداً بالكثير من الخبرات.. وكان يتباهَى بأنه (مزقْزِق في الدَّحْية).
كان من فئة (قلاَل الوالِي).. وبقفزةٍ غير منظورة أصبح من أهل الوالي نفسه.. وأخذْنا ننظر إليه بحسد وهو (راقِد بين قرون العنْز).. وانتقل من مُصنَّف في خانة (راقد رِيح).. إلى عضو فاعل في خانة (فوق الرِّيح).. بحيث لا تَطاله تقلُّباتُها.. ليس هذا فحسب.. بل أصبحت الرِّيح (تحطِّب له).. وتجري بما تشتهي سفُنُه.. وتحوَّل بأُعجوبة من (دِيك أجرَب).. إلى دِيك يبيض ذهَباً.
طلَّق امرأته.. باع سيارته القديمة.. واستبدل حتى جيرانه.. وأصبح يضع مِرفقَه خارج السيارة أثناء القيادة.
حمد المنجَل لا يحبُّ البقاء في الهامش.. بعيداً عن الأضواء.. فأنت تراه في كل مناسبة.. فهو الذي يُصلِّي بنا الجمعة.. وفي المساء يخلع جُبَّة الإمام ويولِّي وجهه شطر الملعب.. ليقوم بدور الصحفي الرياضي.. يلتقط الصوَر ويُعدُّ التقارير.. وأُذنه في الملاعب الأخرى بهاتفه النقّال.. وبين شوطَي المباراة يُفاجئكَ وهو يؤمُّ الجمهور في صلاة العصر.. وهو بقدر ما يُدبِّج الخُطَب الجهورية الرنّانة فوق المنابر.. حتى تُحس أنَّ الآخرة قد غدَت على مرمَى حجَر.. بل يجعلك تتلفَّت وأنت تشمُّ رائحة شياط النار في أركان المسجد.. فهو أيضاً ـ في سهراته الخاصة ـ يُجيد الأحاديث الماجنة.. والنِّكات الداعِرة.. تحت باب (لكلِّ مقامٍ مقال).
هو رجل كل الأوقات.. كل الأزمات.. كل الظروف.. يلبس لكل حالةٍ لَبوسَها.. إنّه من ذلك النوع الذي يُشعِل النار في الخفاء.. ثُم يتساءل في دهشةِ: من أين يتصاعد هذا الدخان..؟! والأنكَى من ذلك أنَّه يتحوَّل إلى إطفائي.. بعد أن تكون النار قد أتت على كلِّ شيء.. وهو يرى أنَّ من الحَصَافة أن يكيل المرءُ بمكيالين.. أو عدَّة مكاييل.. لذلك فهو (ياكل مع الذيب.. ويزمِّر مع الراعي).
عندما يمشي ينحني قليلاً إلى الأمام.. ويبدو
المزيد