رحيل شاعر العامية
محمد الحسينى
الخميس، 18 ديسمبر 2008 - 00:24
كتب محمد البديوى
صندوق الحزن اسم لآخر دواوين شاعر العامية محمد الحسينى، وصاحب دار نفرو للنشر الذى توفى أثناء إجراء عملية جراحية فى معهد الكبد فى شبين الكوم، ويبدأ تلقى العزاء بجامع نصر الدين فى أول شارع الهرم.
الشاعر محمد الحسينى يبلغ من العمر 49 عاما، متزوج ولديه ابنين. صدر له من قبل أكثر من ديوان شعرى منها، مس الكلام وعباد الشمس وغرفة السر جانب صندوق الحزن ومسرحية واحدة هى حورى. والراحل هو أحد شعراء العامية الذين ينتمون إلى جيل الثمانينيات، وكان صاحب حضور قوى فى الوسط، وتجربته تتميز بخصوصيتها وفرادتها، ولم يكن يشبه أحدا من الشعراء، ويعد رحيله خسارة فادحة لحركة شعر العامية المعاصر فى مصر.
وننشر هنا مقطع من قصيدة كتبها عن الموت فى ديوانه الأخير صندوق الحزن
وبرغم أن الموت شئ طبيعى، وعادى جداً
وبرغم أننا ما نعرفشى إيه اللى حصل للبشر جواه
وبرغم دا
طوابير من البشر رايحة فى سكته
بتواجه المجهول
ومن قديم الأزل والناس بتتكلم عن الخلود
وبرغم دا
ما عاودش حد لعندنا
ولا قالناش
همه محتاجين هناك لإيه بدول توب الحياة إزَّاى.
عبدالوهاب قرينقو :
الله أكبر ..
متى حدث هذا ؟! ..
وداعاً حُسيني ..
أبلغ أحر التعازي في رحيل هذا الانسان الرائع رغم أنني لم أعرفه الا لمسافة سهرة قاهرية واحدة خريف 2004 م ، في أحد مقاهي وسط البلد ، لمستُ من خلالها مدى أريحية هذا الشاعر المرهف .. كنا خمسة في سهرة : أنا والأصدقاء من ليبيا ادريس المسماري - السنوسي حبيب - وعبدالله زاقوب ، اضافة للشاعر المصري ابراهيم داوود .
رحم الله الفقيد الراحل واتقدم بالتعزية لأهله وذويه ولابراهيم داوود وكاتبة هذا المقال وللمسماري والفيتوري ، وكل من عرف ذات يوم محمد الحسيني .
سريب : رحل ونس : محمد الحسيني الصديق، الإمتاع والمؤانسة ، الشاعر الرقيق، والابتسامة البلسم ، رحل كما يرحل العمر كنسمة عشية ، وكما الموت الحقيقة التي تأخذنا دون أن نستطيع التصديق بها ، هكذا رحيل محمد كما لو كان كذبة غير قابلة للتصديق .
ظبية خميس :
فيه خد نايم على خد صاحي :
رحيل الشاعر الشفاف
هل الموت إلا رفيق يضل الطريق إلى صديق.
لا فرار منه فردياً يهل علينا وجماعة ونحن نودع وندفن من نحب أو نطل عليهم من البعيد. وكلما أنهينا رثاءاً ، بدأنا آخر.
رحل محمد الحسيني ، ونحن أصدقائه وأحباءه كنا نحلم أن نقضي شيخوختنا القادمة معاً. نتذكر ما مضى ونصنع المزيد من الذكريات ، والأشعار ، والغضب على الأوضاع ، والحزن على من فقدنا من أصدقاء ومن شعوب تنتمي إلينا ، وننتمي إليها.
كان الحسيني مزهراً بالفرح والحزن معاً كما الفيوم بلاده وبلاد النبي يوسف. في البدء لم أستطع الكتابة عنه وعن وفاته لصدمتي وذهولي ، واليوم أحاول أن أكتب بمسافة ولو قصيرة عن هذا الشاعر والصديق والمواطن المصري الذي راحت حياته دونما إسعاف ممكن كغيره من ملايين المرضى بالكبد في مصر.
هناك أشخاص ، وأماكن ، وملامح ، وروائح ، وأصوات هم مصر بالنسبة لي. مصر التي عرفتها ، وأحببتها ، وأقمت بها منذ ما يزيد على العشرين عاماً حتى اليوم.
محمد الحسيني الشاعر المرهف ، وإبن البلد الحميم وذو النخوة ، والصديق المثقف العروبي في مشاعره وتلقيه للأصدقاء العرب من كل مكان : من فلسطين ، أو ليبيا ، أو لبنان أو الخليج أو غيرها من الأماكن. الصديق الذي إرتدى وشاح الحزن والغضب للعراق ، وللبنان ، ولفلسطين. وهو الذي خبر الشارع المصري ، والأرياف ، والأقاليم وراح عالياً يقرأ قصائده في الأماكن مهموماً بالحدث ، والتاريخ ، والمستقبل.
كان هادئاً ، وساخراً ، وساحراً.
عرف وسط البلد بكافة قنواته من زهرة البستان ، إلى ريش ، والأوديون ، والجريون ، وجمعية الأخصائيين الإجتماعيين غير أن الأتيليه كان بيته الثاني المفضل. خاصم ، وأحب وجادل وذهب أصدقائه الذين أحبهم الواحد تلو الآخر : فاروق البقيلي ، ومحمد مستجاب ، وسيد خميس ، ورؤوف عياد ، وحامد العوضي وغيرهم. مضوا مثله دون سابق إنذار تاركين لنا وهم الصحبة المستديمة والكؤوس الفارغة والطاولات التي تقلصت كراسيها.
كنا نحلم ونحيا في الثمانينات ، ونحزن ونستمر نحيا في التسعينات ، ومع الألفية إزداد إنزوائنا وقررنا التركيز على ما يمكن فعله فأنشأ دار النشر نفرو وطبع الكتب التي يحبها غير أنه لم يعد يحيا من جديد.
ولد محمد الحسيني في الفيوم في 9 مايو 1957 ، وعمل في عدد من الأعمال كان أهمها في مجال التربية والتعليم. إرتحل زائراً إلى عدد من الأماكن التي تركت إنطباعات خاصة لديه في مغامرة شبابية إلى كل من ليبيا ، تركيا ، والعراق ، وإيطاليا. بالإضافة إلى الشعر كتب الدراسات والمسرحيات وإهتم بأدب الأطفال. في التعريف الخاص به في كتابه مس الكلام جاء التالي :
يعتبر واحد من أهم جيل القصيدة المحكية في الشعر المصري. مزج بين الخيال والواقع برشاقة فنية مستخدماً لغة المجاز معتمداً على خيال الحواس بقدر أكث





















