مشروع سيرة ذاتية
للشاعر الليبي : عبدالسلام العجيلي
( إن إنتاج قصة حياة معالجة الحياة كقصة أي كحكاية متماسكة متسلسلة الأحداث الدالة والموجهة قد يعني التضحية بالخضوع لوهم بلاغي لتقديم مشترك للوجود لا يكف نوع معين من التراث الأدبي عن تدعيمه لذا فمن المنطقي أن نطلب العون من أولئك الذين اجروا قطيعة مع هذا التراث حتى على ارض اكتماله النموذجي.. وهم السيرة الذاتية بيار بورديو )
ولدت في حي بومنصور في درنة أحد أهم أحياء المدينة الشهير والغني بمفرداته الثقافية والفنية والجغرافية .. وقرب أقدم أثر إسلامي في المنطقة ( مقبرة الصحابة ) وبئرها الأسطوري الشهير وحيث الساقية كلمة السر وسر الجمال _ منذ أن وضع " أمحمد باي " مهندس درنة الحديثة أول شبكة ري متكاملة تمر بالشوارع وتدخل البيوت والأسواق وتوزع بين بساتين بنظام بديع وعند حذاء الجبل في المكان الفاصل بين الباطن الصاعد إلى الجنوب وبين السهل الممتد شمالاً وشرقاً حيث بيوت الحي وبساتينه …
الباطن بكهوفه الغائرة وحوافه الشاهقة ودروبه الصعبة المتعرجة وسكانه المنحدرين من كل حدب قريب ومن كل فج عميق وباختلاف ألسنتهم والوا نهم وبأفراحه المميزة .. ودنقته الشهيرة …
قرب مصب الساقية من خاصرة الباطن اليسرى رئة درنة الشرقية المكان الذي اتخذه والدي للسكن وللعمل أيضا في طاحونة الحي التي تعمل بقوة الماء التي جرفتها السيول في قصة الوادي الذي باغت المدينة في آخر الليل وعبث في الأرواح والأرزاق …
البيت الذي ولدت تمر به الساقية وتتوسطه شجرة مشماش عتيقة و ثلاث نخلات وعدد من ا لدوالي حجرة واحدة لعائلتي وأخرى لعائلة ثانية أما الغرفة المكان الأكثر علوا وأبهة .. فكانت لصاحبة البيت الحاجة حليمة الشر يفيه بنت المجاهد محمد الشريف المرأة الأكثر شهرة في الحي… كانت تجيد تقطير الزهر والورد وصناعة الكحل والمسك والبخور ويعرف كل الذين مروا ببابها عن قصة الشذا الذي يغشي العابرين الصاعدين إلى دروب الباطن أو إلى جامع السنوسية وبئره الشهيرة المسجد الأكثر رهبة بسبب عمارته الفريدة .. كهف شاسع ومتغلغل في عمق الجبل حيث تشير بعض الآراء إلى انه كان مكان كنيسة قديمة قبل أن يتحول إلي مسجد وزاوية تحفظ وتعلم القرآن الكريم بعد مجيء محمد بن علي السنوسي إلى البلاد …
الزاوية الاسمرية أو زاوية الفواتير والتي تتخذ من الصحابة مقراً لها واحدة من مفردات الحي المهمة الحضرة والتي كانت تعقد بشكل أسبوعي وربما أكثر حيث اللقاء المبكر مع الشعر والإيقاع وصوت الشيخ عبد الحميد غفير العذب وقصائد الأسمر الجميلة والإيقاعات الكفيلة بحمل الجسد إلى مدارج الخفة والغناء .
يا لا يمي بطل اللوم لومك ايجيب المواجع
وأنا بالزين مغروم وع الحب مانيش راجع
والدي كان لا يسمح لي في اغلب الأحيان بالذهاب إلى الحضرة كان يقول لي هولاء دراويش ويشير إلى كتّاب السنوسية هذا هو مكان العلم .
دخلت الكتاب وكان بعض اقراني يذهبون إلى المدارس الحديثة بحقائب جلدية وكنت أتمنى أن أكون مثلهم كان علي كل يوم إن أصحو فجراً أراجع لوحي كي اسمعه إلى شيخي واكتب لوحاً آخر تعلمت كيف اصنع أقلامي من القصب وحبري من (وذح الأغنام) عندما قامت الثورة الغي الكتاب واجروا لنا معادلة و ضعوني في الصف الثاني الابتدائي في المدرسة القرآنية و بدأت اعرف الحساب والعلوم والمواد الأخرى و صار لي حقيبة ودفاتر وأقلام إلى جانب حفظ أجزاء من القرآن الكريم محددة في الصف الخامس عرفت الطريق إلى المكتبة العامة حصلت على اشتراك وبطاقة إعارة وصار بإمكاني أن اذهب كل يوم اقرأً من كتب الأطفال ما أشاء واستعير أي كتاب لقراءته في البيت ظلت علاقتي بالمكتبة حتى الصف الثالث الإعدادي عندما اغلق المعهد الديني في درنة وعلي أن اكمل في معهد مالك بن انس في البيضاء .. واخر كتاب استعرته ولم أرجعه حتى الآن كان جزء من ديوان المتنبي .. قرأت المتنبي فأعجبت به .. المعلمون كانوا يقولون هذا هو الشاعر الفذ العصي على الزمان .. وفي الوقت نفسه تعرفت على نزار قباني فأحببته وحفظت له الكثير .. كنت أقول المتنبي عبقري عصرة أما نزار فأنه عبقري هذا الزمان .. تمثلت شعره نثرا في كتابة رسائل الحب لأصدقائي . في القسم الداخلي المعروف في البيضاء ( باكوزبيب ) علمني نزار قباني كيف أتسلل وأنثر الكلام الجميل على حبيبات أصدقائي أكتب الرسائل
لحبيبات أصدقائي وأكثرهن بائعات الأسواق العامة الظاهرة التي انفجرت فجأة في آخر السبعينيات كن سخيات إلى ابعد حد ولم يبخلن بالعطور والسجائر المالبورو والحلويات على حساب شركة الأسواق العامة وجودي في قسم داخلي يضم طلاب المعهد الديني وهم من غرب وشرق وجنوب ليبيا وطلاب معهد المعلمين والثانوية العامة وهم من القرى والضواحي المجاورة لمدينة البيضاء وطلاب بعوث وافدين من إفريقيا في تلك الفترة اقتربت اكثر من الشعر الشعبي بكل ألوانه المعروفة والذي كان غنياً بالصورة والإيقاع وبدأت أفك شفرة غناوة العلم و أتلمس ذلك الاختزال الشديد في المعاني وجماليات الغناء المتكئ على تكنيك فني مختلف.
القسم الداخلي ذلك المناخ المتنوع حقق لي فرصة الاقتراب من الروح الشعبية الشاعرة في بيئاتها المتباينة في الجغرافيا وفي طبيعة العيش وبدأت أدرك علاقة المكان بالشعر في تلك الفترة كنت استمع إلى أم كلثوم وفيروز وعبد الحليم حافظ ونجاة الصغيرة لكن اكثر ما كنت استمع إلى فن المرسكاوي وفرسانه المبدعين في ذلك الوقت واغلبهم كانوا من بنغازي فأحببت مواويل فتحي الصور الحزينة والعنيدة والرافضة والتي علمت فيما بعد أنها قصائد لشاعر ليبيا الكبير محمد الشلطامي أحببت أداء كل من احميدة درنة وعليويكا حيث الأول غزير اللحن والموسيقا والثاني غزير الشعر والكلام وعلى قدرتهما الفائقة في تطويع القصيدة الشعبية والمجرودة إلى حقل المرسكاوي الغني بالإيقاعات .
في معهد مالك بن أنس قرأت التاريخ والجغرافيا والفلسفة والمنطق والنحو والعروض والفقه واللغة الإنجليزية والإنشاء ينفذ هذا المنهج أساتذة معارون من ثانويان دينية مشابهة في مصر كنت أحب مادة الإنشاء وأحب أستاذها الليبي(فرج الشطشاطى) كان يدرس لنا إلى جانب الإنشاء النحو والتفسير كان أغلب الطلاب ينزعجون منه بسبب طريقة تدريسه المميزة كان لا يقدم إجابات عندما يسال يجيب بسؤال آخر وغالباً حصته يهجرها أكثر الطلاب وهو لا يعاقب على الغياب كنا ثلاثة أو أربعه طلاب فقط ممن يحرصون على حصته وخصوصاً حصة
الإنشاء التي أشبه ما تكون بورشة عمل أسبوعيه كان يقبل الكتابة باللغة الدراجه وهو الضليع في قواعد اللغة و وصرفها تعلمت من الأستاذ فرج الشطشاطي أن أكتب بحرية أن أقول ما أريد..
أخذت الثانوية وأنتسبت إلى كلية القانون جامعة قاريونس وجئت إلى بنغازي.. كانت أسوأ شهور في حياتي وبنغازي موحشة سوق الجريد خالِِ ومعتم مثل بئر مهجورة ولا شيء فيه غير الكلاب الهاملة ورائحة البول والرطوبة أطلال شاحبة لمدينة توقفت فجأة عن الحياة الفترة التي يمكن أن نسميها بفترة سندوتشات البازيلا.. الأسواق العامة المجمعة هي المكان الوحيدة الذي نقصده لتسوق والتسكع.. الجامعة متوترة ومستنفرة وكأننا على أبواب حرب وشيكة ندرس على مزاج الأسطول السادس الأمريكي إذا تحرك شمالاً نقطع الدرس ونخرج في مسيرة استنكار وغضب وإن عاد إلى موضعه السابق و في الأسبوع نفسه نخرج مرة ثانية في مسيرة استنكار وتهديد في القسم الداخلي لا تختار مع من تسكن ولا شىء من وسائل الترفيه والبهجة أطبقت بنغازي على صدري والجامعة سجن كبير والدراسة ليست غاية حلمت بأيام البيضاء الجميلة تذكرت الكوزبيب والكاوة وشعبية وادي البرد لاشبو أم الصفصاف،والخلاوي والغريقة تخليت على أحلامي في دراسة القانون وغيرت مساري وعدت إلى البيضاء طالبا في
المزيد